فصل: تفسير الآية رقم (22)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏وَسَوَآء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ‏}‏ أي مستو عندهم إنذارك إياهم وعدمه حسبما مر تحقيقه في أوائل سورة البقرة، والظاهر أن العطف على ‏{‏إِنَّا جَعَلْنَا‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 8‏]‏ وكأنه جىء به للتصريح بما هم عليه في أنفسهم بعد الإشارة إليه فيما تقدم بناءً على أنه مما يستتبع الجعل المذكور‏.‏

وقريب منه القول بأن ما تقدم لبيان حالهم المجعول وهذا لبيان حالهم من غير ملاحظة جعل وفيه تمهيد لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا تُنذِرُ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 11‏]‏ الخ‏.‏ وفي إرشاد العقل السليم هو بيان لشأنهم بطريق التصريح إثر بيانه بطريق التمثيل، وفي «الحواشي الخفاجية» لم يورد بالفاء مع ترتبه على ما قبله إما تفويضاً لذهن السامع أو لأنه غير مقصود هنا انتهى‏.‏

وانظر هل تجد مانعاً من العطف على ‏{‏لاَّ يُبْصِرُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 9‏]‏ ليكون خبراً لهم أيضاً داخلاً في حيز الفاء والتفريع على ما تقدم كأنه قيل‏:‏ فهم سواء عليهم الخ، واختلاف الجملتين بالاسمية والفعلية لا أراك تعده مانعاً، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ استئناف مؤكد لما قبله مبين لما فيه من إجمال ما فيه الاستواء أو حال مؤكدة له أو بدل منه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ‏(‏11‏)‏‏}‏

ولما بين كون الإنذار عندهم كعدمه عقب ببيان من يتأثر منه فقال سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا تُنذِرُ‏}‏ أي إنذاراً مستتبعاً للأثر ‏{‏مَنِ اتبع الذكر‏}‏ أي القرآن كما روي عن قتادة بالتأمل فيه والعمل به، وقيل‏:‏ الوعظَ، واتبع بمعنى يتبع، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع أو المعنى إنما ينفع إنذارك المؤمنين الذين اتبعوا، ويكون المراد بمن اتبع المؤمنين وبالإنذار الإنذار عما يفرط منهم بعد الاتباع فلا يلزم تحصيل الحاصل، وقيل‏:‏ المراد من اتبع في علم الله تعالى وهم الأقلون الذين لم يحق القول عليهم ‏{‏وَخشِىَ الرحمن‏}‏ أي عقابه ولم يغتر برحمته عز وجل فإنه سبحانه مع عظم رحمته أليم العذاب كما نطق به قوله تعالى‏:‏ ‏{‏نَبّىء عِبَادِى أَنّى أَنَا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 50 49‏]‏‏.‏

ومما قرر يعلم سر ذكر الرحمن مع الخشية دون القهار ونحوه ‏{‏بالغيب‏}‏ حال من المضاف المقدر في نظم الكلام كما أشرنا إليه أي خشي عقاب الرحمن حال كون العقاب ملتبساً بالغيب أي غائباً عنه، وحاصله خشي العقاب قبل حلوله ومعاينة أهواله، ويجوز أن يكون حالاً من فاعل ‏{‏خَشِىَ‏}‏ أي خشي عقاب الرحمن غائباً عن العقاب غير مشاهد له أو خشي غائباً عن أعين الناس غير مظهر الخشية لهم لأنها علانية قلما تسلم عن الرياء، وبعضهم فسر الغيب بالقلب وجعل الجار متعلقاً بخشي أي خشي في قلبه ولم يكن مظهراً للخشية وليس بخاش، قيل‏:‏ ويجوز جعله حالاً من ‏{‏الرحمن‏}‏ ولا يخفى حاله، والكلام في خشي على طرز الكلام في ‏{‏أَتَّبِعُ‏}‏ ‏{‏فَبَشّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ‏}‏ عظيمة لما سلف، وقيل‏:‏ لما يفرط منه ‏{‏وَأَجْرٍ كَرِيمٍ‏}‏ حسن لا يقادر قدره لما أسلف، والفاء لترتيب البشارة أو الأمر بها على ما قبلها من اتباع الذكر والخشية‏.‏ وفي «البحر» لما أجدت فيه النذارة فبشره الخ فلا تغفل، وعن قتادة تفسير الأجر الكريم بالجنة والمراد نعيمها الشامل لما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأجل جميع ذلك رؤية الله عز وجل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الموتى‏}‏ الخ تذييل عام للفريقين المصممين على الكفر والمشفعين بالإنذار ترهيباً وترغيباً ووعيداً ووعداً، وتكرير الضمير لإفادة الحصر أو للتقوية، وما ألطف هذا الضمير الذي عكسه كطرده ههنا، وضمير العظمة للإشارة إلى جلالة الفعل، والتأكيد للاعتناء بأمر الخبر أو لرد الإنكار فإن الكفرة كانوا يقولون‏:‏ ‏{‏إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 37‏]‏ أي إنا نحن نحيي الأموات جميعاً ببعثهم يوم القيامة ‏{‏وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ‏}‏ ما أسلفوه من الأعمال الصالحة والطالحة ‏{‏وَءاثَارَهُمْ‏}‏ التي أبقوها بعدهم من الحسنات كعلم علموه أو كتاب ألفوه أو حبيس وقفوه أو بناء في سبيل الله تعالى بنون وغير ذلك من وجوه البر ومن السيئات كتأسيس قوانين الظلم والعدوان وترتيب مبادىء الشر والفساد فيما بين العباد وغير ذلك من فنون الشرور التي أحدثوها وسنوها بعدهم للمفسدين‏.‏

أخرج ابن أبي حاتم عن جرير بن عبد الله البجلي قال‏:‏ «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص من أوزارهم شيئاً ثم تلا ‏{‏وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءاثَارَهُمْ‏}‏» وعن أنس أنه قال في الآية‏:‏ هذا في الخطو يوم الجمعة، وفسر بعضهم الآثار بالخطأ إلى المساجد مطلقاً لما أخرج عبد الرزاق‏.‏ وابن جرير‏.‏ وابن المنذر‏.‏ والترمذي وحسنه عن أبي سعيد الخدري قال كان بنو سلمة في ناحية من المدينة فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الموتى وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءاثَارَهُمْ‏}‏ فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إنه يكتب آثاركم ثم تلا عليهم الآية فتركوا‏.‏

وأخرج الإمام أحمد في الزهد‏.‏ وابن ماجه‏.‏ وغيرهما عن ابن عباس قال كانت الأنصار منازلهم بعيدة من المسجد فأرادوا أن ينتقلوا قريباً من المسجد فنزلت ‏{‏وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءاثَارَهُمْ‏}‏ فقالوا بل‏:‏ نمكث مكاننا‏.‏

وأنت تعلم أنه لا دلالة فيما ذكر على أن الآثار هي الخطأ لا غير وقصارى ما يدل عليه أنها من الآثار فلتحمل الآثار على ما يعملها وغيرها، واستدل بهذين الخبرين ونحوهما على أن الآية مدنية‏.‏

وقال أبو حيان‏:‏ ليس ذلك زعماً صحيحاً وشنع عليه بما ورد مما يدل على ذلك، وانتصر له الخفاجي بأن الحديث الدال معارض بما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ لهم هذه الآية ولم يذكر أنها نزلت فيهم وقراءته عليه الصلاة والسلام لا تنافي تقدم النزول ومراد أبي حيان هذا لا أنه أنكر أصل الحديث، ولا يخفى أن الحديثين السابقين ظاهران في أن الآية نزلت يومئذ وليس في حديث الصحيحين ما يعارض ذلك، والعجب من الخفاجي كيف خفي عليه هذا، وقيل ما قدموا من النيات وآثارهم من الأعمال، والظاهر أن المراد بالكتابة الكتابة في صحف الملائكة الكرام الكاتبين ولكونها بأمره عز وجل أسندت إليه سبحانه، وأخرت في الذكر عن الأحياء مع أنها مقدمة عليه لأن أثرها إنما يظهر بعده وعلى هذا يضعف تفسير ما قدموا بالنيات بناء على ما يدل عليه بعض الأخبار من أن النيات لا تطلع عليها الملائكة عليهم السلام ولا يؤمرون بكتابتها‏.‏

وفسر بعضهم الكتابة بالحفظ أي نحفظ ذلك ونثبته في علمنا لا ننساه ولا نهمله كما يثبت المكتوب، ولعلك تختار أن كتابة ما قدموا وآثارهم كناية عن مجازاتهم عليها إن خيراً فخير وإن شراً فشر وحينئذ فوجه ذكرها بعد الأحياء ظاهر‏.‏

وعن الحسن‏.‏ والضحاك أن إحياء الله تعالى الموتى أن يخرجهم من الشرك إلى الايمان وجعلا الموت مجازاً عن الجهل، وتعريف ‏{‏الموتى‏}‏ للعهد والكلام عليه توكيد للوعد المبشر به كأنه قيل‏:‏ إنما ينفع إنذارك في هؤلاء لأنا نحييهم ونكتب صالح أعمالهم وآثارهم ولا يخفى ما في ذلك من البعد‏.‏ وقرأ زر‏.‏ ومسروق ‏{‏ويكتب‏}‏ بالياء مبنياً للمفعول ‏{‏قَدَّمُواْ وَءاثَارَهُمْ‏}‏ بالرفع ‏{‏وَكُلَّ شىْء‏}‏ من الأشياء كائناً ما كان، والنصب على الاشتغال أي وأحصينا كل شيء ‏{‏أحصيناه‏}‏ أي بيناه وحفظناه؛ وأصل الإحصاء العد ثم تجوز به عما ذكر لأن العد لأجله‏.‏

‏{‏فِى إِمَامٍ‏}‏ أي أصل عظيم الشأن يؤتم ويقتدى به ويتبع ولا يخالف ‏{‏مُّبِينٌ‏}‏ مظهر لما كان وسيكون، وهو على ما في «البحر» حكاية عن مجاهد‏.‏ وقتادة‏.‏ وابن زيد اللوح المحفوظ، وبيان كل شيء فيه إذا حمل العموم على حقيقته بحيث يشمل حوادث الجنة وما يتجدد لأهلها من دون انقطاع على ما نحو ما يحكى من بيان الحوادث الكونية في الجفر الجامع لكنه على طرز أعلا وأشرف، ونحو هذا ما قال غير واحد من اشتمال القرآن الكريم على كل شيء حتى أسماء الملوك ومدد ملكهم أو يقال إن بيان ذلك فيه ليس دفعة واحدة بل دفعات بأن يبين فيه جملة من الأشياء كحوادث ألف سنة مثلاً ثم تمحى عند تمام الألف ويبين فيه جملة أخرى كحوادث ألف أخرى وهكذا، والداعي لما ذكر أن اللوح عند المسلمين جسم وكل جسم متناه الأبعاد كما تشهد به الأدلة وبيان كل شيء فيه على الوجه المعروف لنا دفعة مقتض لكون المتناهي ظرفاً لغير المتناهى وهو محال بالبديهة‏.‏

وإذا أريد بكل شيء الأشياء التي في هذه النشأة وأفعال العباد وأحوالهم فيها فلا إشكال في البيان على الوجه المعروف دفعة‏.‏

والذي يترجح عندي أن ما كتب في اللوح ما كان وما يكون إلى يوم القيامة وهو متناه وبعض الآثار تشهد بذلك والمطلق منها محمول على المقيد، وحقيقة اللوح لم يرد فيها ما يفيد القطع ولذا نمسك عن تعيينها، وكون أحد وجهيه ياقوتة حمراء والثاني زمرة خضراء جاء في بعض الآثار ولا جزم لنا بصحته، وكونه أحد المجردات وما من شيء إلا وهو يعلمه بالفعل مما لم يذهب إليه أحد من المسلمين وإنما هو من تخيلات الفلاسفة ومن حذا حذوهم فلا ينبغي أن يعول عليه، وفسر بعضهم الإمام المبني بعلمه تعالى الأزلي كما فسر أم الكتاب في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب‏}‏ به وهو أصل لا يكون في صفوف صنوف الممكنات ما يخالفه كما يلوح به قول الشافعي‏:‏

خلقت العباد على ما علمت *** ففي العلم يجري الفتى والمسن

ووصفه بمبين لأنه مظهر فقد قالوا‏:‏ العلم صفة يتجلى بها المذكور لمن قامت به أو لأن إظهار الأشياء من خزائن العدم يكون بعد تعلقه فإن القدرة إنما تتعلق بالشيء بعد العلم فالشيء يعلم ثم يراد ثم تعلق القدرة بإيجاده فيوجد، ولا يخفى ما في هذا التفسير من ارتكاب خلاف الظاهر وعليه فلا كلام في العموم، نعم في كيفية وجود الأشياء في علمه تعالى كلام طويل محله كتب الكلام‏.‏ وعن الحسن أنه أريد به صحف الأعمال وليس بذاك‏.‏ وحكى لي عن بعض غلاة الشيعة أن المراد بالإمام المبين علي كرم الله تعالى وجهه وإحصاء كل شيء فيه من باب‏:‏

ليس على الله بمستنكر *** أن يجمع العالم في واحد

ومنهم من يزعم أن ذلك على معنى جعله كرم الله تعالى وجهه خزانة للمعلومات على نحو اللوح المحفوظ، ولا يخفى ما في ذلك من عظيم الجهل بالكتاب الجليل نسأل الله تعالى العفو والعافية، ويمكن أن يقال‏:‏ إنهم أرادوا بذلك نحو ما أراده المتصوفة في إطلاقهم الكتاب المبين على الإنسان الكامل اصطلاحاً منهم على ذلك فيهون أمر الجهل، وكمال علي كرم الله تعالى وجهه لا ينكره إلا ناقص العقل عديم الدين‏.‏

وقرأ أبو السمال ‏{‏وَكُلٌّ‏}‏ بالرفع على الابتداء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏13‏]‏

‏{‏وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ‏(‏13‏)‏‏}‏

‏{‏واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أصحاب القرية‏}‏ إما عطف على ما قبله عطف القصة على القصة وأما عطف على مقدر أي فأنذرهم واضرب لهم الخ، وضرب المثل يستعمل تارة في تطبيق حالة غريبة بأخرى مثلها كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ضَرَبَ الله مَثَلاً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ امرأت نُوحٍ‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 0 1‏]‏ الآية وأخرى في ذكر حالة غريبة وبيانها للناس من غير قصد إلى تطبيقها بنظيرة لها كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَضَرَبْنَا لَكُمُ الامثال‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 5 4‏]‏ في وجه أي بينا لكم أحوالاً بديعة هي في الغرابة كالأمثال‏.‏ فالمعنى على الأول اجعل أصحاب القرية مثلاً لهؤلاء في الغلو في الكفر والإصرار على التكذيب أي طبق حالهم بحالهم على أن ‏{‏مَثَلاً‏}‏ مفعول ثان لا ضرب ‏{‏وأصحاب القرية‏}‏ مفعول الأول أخر عنه ليتصل به ما هو شرحه وبيانه، وعلى الثاني اذكر وبين لهم قصة هي في الغرابة كالمثل، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أصحاب القرية‏}‏ بتقدير مضاف أي مثل أصحاب القرية وهذا المضاف بدل كل من كل أو عطف بيان له على القول بجواز اختلافهما تعريفاً وتنكيراً، وجوز أن يكون المقدر مفعولاً وهذا حالاً‏.‏

والقرية كما روى عن ابن عباس‏.‏ وبريدة‏.‏ وعكرمة انطاكية، وفي «البحر» إنها هي بلا خلاف‏.‏

‏{‏إِذْ جَاءهَا المرسلون‏}‏ بدل اشتمال ‏{‏مِنْ أصحاب القرية‏}‏ أو ظرف للمقدر، وجوز أن يكون بدل كل من ‏{‏أصحاب‏}‏ مراداً بهم قصتهم وبالظرف ما فيه وهو تكلف لا داعي إليه، وقيل، إذ جاءها دون إذ جاءهم إشارة إلى أن المرسلين أتوهم في مقرهم، والمسلون عند قتادة‏.‏ وغيره من أجلة المفسرين رسل عيسى عليه السلام من الحواريين بعثهم حين رفع إلى السماء، ونسبة إرسالهم إليه تعالى في قوله سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثنين‏}‏ بناء على أنه كان بأمره تعالى لتكميل التمثيل وتتميم التسلية، وقال ابن عباس‏.‏ وكعب‏.‏ هم رسل الله تعالى‏:‏ واختاره بعض الأجلة وادعى أن الله تعالى أرسلهم ردءاً لعيسى عليه السلام مقررين لشريعته كهرون لموسى عليهما السلام، وأيد بظاهر ‏{‏إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثنين‏}‏ وقول المرسل إليهم ‏{‏مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 5 1‏]‏ إذ البشرية تنافى على زعمهم الرسالة من الله تعالى لا من غيره سحبانه، واستدل البعض على ذلك بظهور المعجزة كإبراء الأكمه وإحياء الميت على أيديهم كما جاء في بعض الآثار والمعجزة مختصة بالنبي على ما قرر في الكلام، ومن ذهب إلى الأول أجاب عن الأول بما سمعت وعن الثاني بأنهم إما أن يكونوا دعوهم على وجه فهموا منه أنهم مبلغون عن الله تعالى دون واسطة أو أنهم جعلوا الرسل بمنزلة مرسلهم فخاطبوهم بما يبطل رسالته ونزلوه منزلة الحاضر تغليباً فقالوا ما قالوه، وعن الثالث بأن ما ظهر على أيديهم إن صح الأثر كان كرامة لهم في معنى المعجزة لعيسى عليه السلام ولا يتعين كونه معجزة لعم إلا إذا كانوا قد ادعوا الرسالة من الله تعالى بدون واسطة وهو أول المسألة، و‏{‏إِذْ‏}‏ بدل من إذ الأولى، والإثنان قيل يوحنا وبولس، وقال مقاتل تومان وبولس، وقال شعيب الجبائي شمعون ويوحنا، وقال وهب‏.‏ وكعب‏:‏ صادق وصدوق، وقيل نازوص وماروس‏.‏

وقيل‏:‏ ‏{‏أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ‏}‏ دون أرسلنا إليها ليطابق إذ جاءها لأن الإرسال حقيقة إنما يكون إليهم لا إليها بخلاف المجيء وأيضاً التعقيب بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَكَذَّبُوهُمَا‏}‏ عليه أظهر وهو هنا نظير التعقيب في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ الحجر فانفجرت‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 60‏]‏ وسميت الفاء الفضيحة لأنها تفصح عن فعل محذوف وكان أصحاب القرية إذ ذاك عباد أصنام ‏{‏فَعَزَّزْنَا‏}‏ أي قويناهما وشددنا قاله مجاهد وابن قتيبة، وقال يقال تعزز لحم الناقة إذ صلب، وقال غيره‏:‏ يقال عزز المطر الأرض إذا لبدها وشدها ويقال للأرض الصلبة العزاز ومنه العز بمعناه المعروف، ومفعول الفعل محذوف أي فعززناهما ‏{‏بِثَالِثٍ‏}‏ لدلالة ما قبله عليه ولأن المقصود ذكر المعزز به‏.‏

وهو على ما روى عن ابن عباس شمعون الصفا ويقال سمعنان أيضاً، وقال وهب وكعب‏:‏ شلوم وعند شعيب الجبائي بولص بالصاد وبعضهم يحكيه بالسين‏.‏ وقرأ الحسن‏.‏ وأبو حيوة‏.‏ وأبو بكر‏.‏ والمفضل‏.‏ وأبان ‏{‏فَعَزَّزْنَا‏}‏ بالتخفيف وهو التشديد لغتان كشدة وشدده فالمعنى واحد، وقال أبو علي المخفف من عزه إذا غلبه ومنه قولهم من عزيز أي من غلب سلب، والمعنى عليه فغلبناهم بحجة ثالث‏.‏ وقرأ عبد الله ‏{‏بالثالث‏}‏ ‏{‏بالبينات فَقَالُواْ‏}‏ عطف على ‏{‏فَكَذَّبُوهُمَا‏}‏ فعززنا والفاء للتعقيب أي فقال الثلاثة بعد تكذيب الإثنين والتعزيز بثالث ‏{‏إِنَّا إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ‏}‏ ولا يضر في نسبة القول إلى الثلاثة سكوت البعض إذ يكفي الاتفاق بل قالوا طريقة التكلم مع الغير كون المتكلم واحداً والغير متفقاً معه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15 - 16‏]‏

‏{‏قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ‏(‏15‏)‏ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏قَالُواْ‏}‏ أي أصحاب القرية مخاطبين للثلاثة ‏{‏مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا‏}‏ من غير مزية لكم علينا مجبة لاختصاصكم بما تدعونه، ورفع ‏{‏بُشّرَ‏}‏ لانتقاض النفي بالافان ما عملت حملاً على ليس فإذا انتقض نفيها بدخول إلا على الخبر ضعف الشبه فيها فبطل عملها خلافاً ليونس؛ ومثل صفة ‏{‏بُشّرَ‏}‏ ولم يكتسب تعريفاً بالإضافة كما عرف في النحو ‏{‏وَمَا أَنَزلَ الرحمن مِن شَىْء‏}‏ مما تدعون من الوحي على أحد وظاهر هذا القول يقتضي إقرارهم بالألوهية لكنهم ينكرون الرسالة ويتوسلون بالأصنام وكان تخصيص هذا الاسم الجليل من بين أسمائه عز وجل لزعمهم أن الرحمة تأبى إنزال الوحي لاستدعائه تكليفاً لا يعود منه نفع له سبحانه ولا يتوقف إيصاله تعالى الثواب إلى البعض عليه، وقيل ذكر الرحمن في الحكاية لا في المحكي وهم قالوا لا إله ولا رسالة لما في بعض الآثار أنهم قالوا ألنا إله سوى آلهتنا، والتعبير به لحمله تعالى عليهم ورحمته سبحانه إياهم بعدم تعجيل العذاب آن إنكارهم ولعل ما تقدم أولى وأظهر ولا جزم بصحة ما ينافيه من الأثر‏.‏

‏{‏إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ‏}‏ فيما تدعون وهذا تصريح بما قدوه من الجملتين السابقتين واختيار تكذبون على كاذبون للدلالة على التجدد‏.‏ ‏{‏قَالُواْ‏}‏ أي المرسلون ‏{‏رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ‏}‏ استشهدوا بعلم الله تعالى وهو جاري مجرى القسم في التأكيد والجواب بما يجاب به، وذكر أن من استشهد به كاذباً يكفر ولا كذلك القسم على كذب، وفيه تحذيرهم معارضة علم الله تعالى، وفي اختيار عنوان الربوبية رمز إلى حكمة الإرسال كما رمز الكفرة إلى ما ينافيه بزعمهم‏.‏

وإضافة رب إلى ضمير الرسل لا يأبى ذلك، ويجوز أن يكون اختياره لأنه أوفق بالحال التي هم فيها من إظهار المعجز على أيديهم فكأنهم قالوا ناصرنا بالمعجزات يعلم إنا إليكم لمرسلون، وتقديم المسند إليه لتقوية الحكم أو للحصر أي ربنا يعلم لا أنتم لانتفاء النظر في الآيات عنكم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏17‏]‏

‏{‏وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ البلاغ المبين‏}‏ إلا بتبليغ رسالته تعالى تبليغاً ظاهراً بيناً بحيث لا يخفى على سامعه ولا يقبل التأويل والحمل على خلاف المراد أصلاً وقد خرجنا من عهدته فلا مؤاخذة علينا من جهة ربنا كذا قيل، والأولى أن يفسر التبليغ المبين بما قرن بالآيات الشاهدة على الصحة وهم قد بلغوا كذلك بناء على ما روى من أنهم أبرؤا الأكمه وأحيوا الميت أو أنهم فعلوا خارقاً غير ما ذكر ولم ينقل لنا ولم يلتزم في الكتاب الجليل ولا في الآثار ذكر خارق كل رسول كما لا يخفى، ثم إن ذلك إما معجزة لهم على القول بأنهم رسل الله تعالى بدون واسطة أو كرامة لهم معجزة لمرسلهم عيسى عليه السلام على القول بأنهم رسله عليه السلام، والمعنى ما علينا من جهة ربنا إلا التبليغ البين بالآيات وقد فعلنا فلا مؤاخذة علينا أو ما علينا شيء نطالب به من حهتكم إلا تبليغ الرسالة على الوجه المذكور وقد بلغنا كذلك فأي شيء تطلبون منا حتى تصدقونا بدعوانا ولكون تبليغهم كان بينا بهذا المعنى حسن منهم الاستشهاد بالعلم فلا تغفل، وجاء كلام الرسل ثانياً في غاية التأكيد لمبالغة الكفرة في الإنكار جداً حيث أتوا بثلاث جمل وكل منها دال على شدة الانكار كما لا يخفى على من له أدنى تأمل قال السكاكي‏:‏ أكدوا في المرة الأولى لأن تكذيب الإثنين تذكيب للثالث لاتحاد المقالة فلما بالغوا في تكذيبهم زادوا في التأكيد، وقال الزمخشري‏:‏ إن الكلام الأول ابتداء أخبار والثاني جوا بعن إنكار، ووجه ذلك السيد السند بأن الأول ابتداء إخبار بالنظر إلى أن مجموع الثلاثة لم يسبق منهم إخبار فلا تكذيب لهم في المرة الأولى فيحمل التأكيد فيها على الاعتناء والاهتمام منهم بشأن الخبر انتهى، وفيه أن الثلاثة كانوا عالمين بإنكارهم والكلام المخرج مع المنكر لا يقال له ابتداء اخبار، وقال «صاحب الكشف»‏:‏ أراد أنه غير مسبوق باخبار سابق ولم يرد أنه كلام مع خالي الذهن أو جعل الابتداء باعتبار قول الثالث أو المجموع، وقال الجلبي‏:‏ لعل مراده أنه بمنزلة ابتداء إخبار بالنسبة إلى إنكارهم الثاني في عدم احتياجه إلى مثل تلك المؤكذات فكان إنكارهم الأول لا يعد إنكاراً بالنسبة إلى إنكارهم الثاني لا أنه ابتداء اخبار حقيقة، ولا يخفى ضعف ذلك، وقال الفاضل اليمني‏:‏ إنما أكد القول الأول لتنزيلهم منزلة من أنكر إرسال الثلاثة لأنه قد لاح ذلك من إنكار الإثنين فعلى هذا يكون ابتداء اخبار بالنظر إلى إخراج الكلام على مقتضى الظاهر وإنكارياً بالنظر إلى إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر فنظر الزمخشري أدق من نظر السكاكي وإن قال السيد السند بالعكس، ويعلم ما فيه مما تقدم بأدنى نظر، وقال أجل المتأخرين الفاضل عبد الحكيم السالكوتي‏:‏ عندي أن ما ذكره السكاكي مبني على عطف

‏{‏فَقَالُواْ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 4 1‏]‏ على ‏{‏فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 14‏]‏ والفاء للتعقيب فيكون الكلام صادراً عن الثلاثة بعد تكذيب الإثنين والتعزيز بثالث فكان كلاماً مع المنكرين فجاء مؤكداً، وقول الزمخشري مبني على أنه عطف على ‏{‏إِذْ جَاءهَا المرسلون‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 3‏]‏ وأنه تفصيل للقصة المذكورة إجمالاً بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِذْ جَاءهَا المرسلون‏}‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 4 1‏]‏ فالفاء للتفصيل فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَقَالُواْ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 14‏]‏ بيان لقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثنين‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 4 1‏]‏ فيكون ابتداء إخبار صدر من الإثنين قالوا بصيغة الجمع تقريراً لشأن الخبر وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالُواْ مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 5 1‏]‏ الخ بيان لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَكَذَّبُوهُمَا‏}‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ البلاغ المبين‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 6 1، 7 1‏]‏ بيان لقوله عز شأنه ‏{‏فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ‏}‏ فإن البلاغ المبين هو إثباتهم الرسالة بالمعجزات وهو التعزيز والغلبة ثم قال‏:‏ ولا يخفى حسن هذا التفسير لموافقته للقصة المذكورة في التفاسير وملاءمته لسوق الآية فإنها ذكرت أولاً إجمالاً بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أصحاب القرية‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 3 1‏]‏ ثم فصلت بعض التفصيل بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ جَاءهَا المرسلون‏}‏ إلى قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 14 13‏]‏ ثم فصلت تفصيلاً تاماً بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالُواْ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ‏}‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خامدون‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 16-29‏]‏ وعدم احتياجه إلى جعل الفاء في ‏{‏فَكَذَّبُوهُمَا‏}‏ فصحية بخلاف تفسير السكاكي فإنه يحتاج إلى تقدير فدعوا إلى التوحيد اه‏.‏

ولا يخفى على المنصف أنه تفسير في غاية البعد والكلام عليه وأصل إلى رتبة الألغاز، ومع هذا فيه ما فيه، وأنا أقول‏:‏ لا يبعد أن يكون الزمخشري أراد بكلامه أحد الاحتمالات التي ذكرت في توجيهه إلا أن ما ذهب إليه السكاكي أبعد عن التكلف وأسلم عن القيل والقال‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏18‏]‏

‏{‏قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏قَالُواْ‏}‏ لما ضاقت عليهم الحيل وعييت بهم العلل ‏{‏إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ‏}‏ أي تشاء منا بكم جرياً على ديدن الجهلة حيث يتيمنون بكل ما يوافق شهواتهم وإن كان مستجلباً لكل شر ويتشاءمون بما لا يوافقها وإن كان مستتبعاً لكل خير أو بناء على أن الدعوة لا تخلو عن الوعيد بما يكرهونه من إصابة ضر إن لم يؤمنوا فكانوا ينفرون عنه، وقد قال مقاتل‏:‏ إنه حبس عنهم المطر وقال آخر‏:‏ أسرع فيهم الجذام عند تكذيبهم الرسل عليهم السلام، وقال ابن عطية‏:‏ أن تطير هؤلاء كان بسبب ما دخل فيهم من اختلاف الكلمة وافتتان الناس، وأصل التطهير التفاؤل بالطير البارح والسانح ثم عم، وكان مناط التطير بهم مقالتهم كما يشعر به قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ‏}‏ أي عن مقالتكم هذه‏.‏

‏{‏لَنَرْجُمَنَّكُمْ‏}‏ بالحجارة قاله قتادة وذكر فيه احتمالان احتمال أن يكون الرجم للقتل أي لنقتلنكم بالرجم بالحجارة واحتمال أن يكون للأذى أي لنؤذينكم بذلك، وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد أنه قال‏:‏ أي لنشتمنكم ثم قال‏:‏ والرجم في القرآن كله الشتم‏.‏

‏{‏وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ قال في «البحر»‏:‏ وهو الحريق، وقيل عذاب غيره تبقى معه الحياة، والمراد لنقتلنكم بالحجارة أو لنعذبنكم إذا لم نقتلكم عذاباً أليماً لا يقادر قدره تتمنون معه القتل، وقيل أريد بالعذاب الأليم العذاب الروحاني وأريد بالرجم بالحجارة النوع المخصوص من الأذى الجسماني فكأنهم قد رددوا الأمر بين إيذاء جسماني وإيذاء روحاني، وقيل أريد بالعذاب الأليم الجسماني وبالرجم العذاب والأذى الروحاني بناء على أن المراد به الشتم، وقيل غير ذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏19‏]‏

‏{‏قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏قَالُواْ‏}‏ أي الرسل رداً عليهم ‏{‏طَائِرُكُمْ‏}‏ أي سبب شؤمكم ‏{‏مَّعَكُمْ‏}‏ لا من قبلنا كما تزعمون وهو سوء عقيدتكم وقبح أعمالكم‏.‏

وأخرج ابن المنذر‏.‏ عن ابن عباس أنه فسر الطائرة بنفس الشؤم أي شؤمكم معكم وهو الإقامة على الكفر وأما نحن فلا شؤم معنا لأنا ندعوا إلى التوحيد وعبادة الله تعالى وفيه غاية اليمن والخبر والبركة، وعن أبي عبيدة‏.‏ والمبرد ‏{‏طَائِرُكُمْ‏}‏ أي حظكم ونصيبكم من الخير والشر معكم من أفعالكم إن خيراً فخير وإن شراً فشر‏.‏

وقرأ الحسن‏.‏ وابن هرمز‏.‏ وعمرو بن عبيد وزر بن حبش ‏{‏طيركم‏}‏ بياء ساكنة بعد الطاء، قال الزجاج‏:‏ الطائر والطير بمعنى، وفي القاموس الطير جمع طائر وقد يقع على الواحد وذكر أن الطير لم يقع في القرآن الكريم إلا جمعاً كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والطير صافات‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 41‏]‏ فإذا كان في هذا القراءة كذلك فطائر وإن كان مفرداً لكنه بالإضافة شامل لكل ما يتطير به فهو في معنى الجمع فالقراءتان متوافقتان، وعن الحسن أنه قرأ ‏{‏أطيركم‏}‏ مصدر أطير الذي أصله تطير فأدغمت التاء في الطاء فاجتلبت همزة الوصل في الماضي والمصدر ‏{‏أَءن ذُكّرْتُم‏}‏ بهمزتين الأولى همزة الاستفهام والثانية همزة إن الشرطية حققها الكوفيون‏.‏ وابن عامر وسههلها باقي السبعة‏.‏

واختلف سيبويه‏.‏ ويونس فيما إذا اجتمع استفهام وشرط أيهما يجاب فذهب سيبويه إلى إجابة الاستفهام أي تقدير المستفهم عنه وكأنه يستغنى به عن تقدير جواب الشرط فالمعنى عليه أئن ذكرتم ووعظتم بما فيه سعادتكم تتطيرون أو تتوعدون أو نحو ذلك ويقدر مضارع مرفوع وإن شئت قدرت ماضياً كتطيرتم‏.‏

وذهب يونس إلى إجابة الشرط وكأنه يستغنى به عن إجابة الاستفهام وتقدير مصب له فالتقدير أئن ذكرتم تتطيروا أو نحوه مما يدل عليه ما قبل ويقدر مضارع مجزوم وإن شئت قدرت ماضياً مجزوم المحل‏.‏ وقرأ زر بهمزتين مفتوحتين وهي قراءة أبي جعفر‏.‏ وطلحة إلا أنهما لينا الثانية بين بين، وعلى تحقيقهما جاء قول الشاعر‏:‏

إن كنت داود بن أحوى مرجلا *** فلست براع لابن عمك محرماً

فالهمزة الأولى للاستفهام والثانية همزة إن المصدرية والكلام على تقدير حرف لام الجر أي ألأن ذكرتم تطيرتم‏.‏ وقرأ الماجشون يوسف بن يعقوب المدني بهمزة واحدة مفتوحة فيحتمل تقدير همزة الاستفهام فتتحد هذه القراءة والتي قبلها معنى، ويحتمل عدم تقديرها فيكون الكلام على صورة الخبر، وهو على ما قيل مسوق للتعجب والتوبيخ، وتقدير حرف الجر على حاله، والجار متعلق بمحذوف على ما يشعر به كلام الكشاف أي تطيرتم لأن ذكرتم، وقال ابن جني ‏{‏ءانٍ ذُكّرْتُم‏}‏ على هذه القراءة معمول ‏{‏طائركم مَّعَكُمْ‏}‏ فإنهم لما قالوا

‏{‏إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 18‏]‏ أجيبوا بل طائركم معكم إن ذكرتم أي هو معكم لأن ذكرتم فلم تذكروا ولم تنتهوا فاكتفى بالسبب الذي هو التذكير عن المسبب الذي هو الانتهاء كما وصفوا الطائر موضع مسببه وهو التشاؤم لما كانوا يألفونه من تكارههم نعيب الغراب أو بروحه‏.‏ وقرأ الحسن بهمزة واحدة مكسورة وفي ذلك احتمالان تقدير الهمزة فتتحد هذه القراءة وقراءة الجمهور وعدم تقديرها فيكون الكلام على صورة الخبر والجواب محذوف لدلالة ما قبل عليه وتقديره كما تقدم، وقرأ أبو عمرو في رواية‏.‏ وزر أيضاً بهمزتين مفتوحتين بينهما مدة كأنه استثقل اجتماعهما ففصل بينهما بألف‏.‏ وقرأ أيضاً أبو جعفر‏.‏ والحسن وكذا قرأ قتادة‏.‏ والأعمش وغيرهما ‏{‏أَيْنَ‏}‏ بهمزة مفتوحة وياء ساكنة وفتح النون ‏{‏ذُكّرْتُم‏}‏ بتخفيف الكاف على أن أين ظرف أداة شرط وجوابها محذوف لدلالة طائركم عليه على ما قيل أي أين ذكرتم صحبكم طائركم والمراد شؤمكم معكم حيث جرى ذكركم وفيه من المبالغة بشؤمهم ما لا يخفى‏.‏

وفي «البحر» من جوز تقديم الجزاء على الشرط وهم الكوفيون وأبو زيد‏.‏ والمبرد يجوز أن يكو الجواب طائركم معكم وكان أصله أين ذكرتم فطائركم معكم فلما قدم حذف الفاء ‏{‏بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ‏}‏ أي عادتكم الإسراف ومجاوزة الحد في العصيان مستمرون عليه فمن ثم أتاكم الشؤم لا من قبل رسل الله تعالى وتذكيرهم فهو إضراب عما يقتضيه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَءن ذُكّرْتُم‏}‏ من إنكار أن يكون ما هو سبب السعادات أجمع سبب الشؤم لأنه تنبيه وتعريك إلى البت عليهم بلزام الشؤم وإثبات الإسراف الذي هو أبلغ وهو جالب الشؤم كله أو بل ‏{‏أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ‏}‏ في ضلالكم متمادون في غيكم حيث تتشاءمون بمن يجب التبرك به من الهداة لدين الله تعالى فهو إضراب عن مجموع الكلام أجابوهم بأنهم جعلوا أسباباً للسعادة مدمجين فيه التنبيه على سوء صنيعهم في الحرمان عنها ثم أضربوا عنه إلى ما فعل القوم من التعكيس لما يقتضيه النظر الصحيح فتأمل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏20‏]‏

‏{‏وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ‏(‏20‏)‏‏}‏

‏{‏وَجَاء مِنْ أَقْصَى المدينة‏}‏ أي من أبعد مواضعها ‏{‏رَجُلٌ‏}‏ أي رجل عند الله تعالى فتنوينه للتعظيم، وجوز أن يكون التنكير لإفادة أن المرسلين لا يعرفونه ليتواطئوا معه واسمه على ما روي عن ابن عباس‏.‏ وأبي مجلز‏.‏ وكعب الأحبار‏.‏ ومجاهد‏.‏ ومقاتل حبيب وهو ابن إسرائيل على ما قيل، وقيل‏:‏ ابن مري وكان على المشهور نجاراً، وقيل‏:‏ كان حراثاً، وقيل‏:‏ قصاراً، وقيل‏:‏ إسكافاً، وقيل‏:‏ نحاتاً للأصنام ويمكن أن يكون جامعاً لهذه الصفات، وذكر بعضهم أنه كان في غار مؤمناً يعبد ربه عز وجل فلما سمع أن قومه كذبوا الرسل جاء ‏{‏يسعى‏}‏ أي يعدو ويسرع في مشيه حرصاً على نصح قومه، وقيل‏:‏ إنه سمع أن قومه عزموا على قتل الرسل فقصد وجه الله تعالى بالذب عنهم فسعى هنا مثلها في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وسعى لَهَا سَعْيَهَا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 19‏]‏ وهو مجاز مشهور وكونه في غار لا ينافي مجيئه من أقصى المدينة لجواز أن يكون في أقصاها غار، نعم هذا القول ظاهر في أنه كان مؤمناً وهو ينافي أنه كان نحاتاً للأصنام‏.‏ وأجيب بأن المراد ينحت التماثيل لا للعبادة وكان في تلك الشريعة مباحاً، وحكى القول بإيمانه عن ابن أبي ليلى، ونقل في «البحر» عنه أنه قال‏:‏ سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا قط طرفة عين‏.‏ علي بن أبي طالب‏.‏ وصاحب يس‏.‏ ومؤمن آل فرعون‏.‏

وذكر الزمخشري وجماعة هذا حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا ذكروا أنه ممن آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم كما آمن به تبع الأكبر‏.‏ وورقة بن نوفل‏.‏ وغيرهما؛ ولم يؤمن أحد بنبي غيره عليه الصلاة والسلام قبل ظهوره‏.‏

وقيل كان مجذوماً وكان منزله أقصى باب من أبواب المدينة عبد الأصنام سبعين سنة يدعوهم لكشف ضره فلم يكشف فلما دعاه الرسل إلى عبادة الله تعالى قال‏:‏ هل من آية‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم ندعوا ربنا القادر يفرج عنك ما بك فقال‏:‏ إن هذا لعجب لي سبعون سنة أدعو هذه الآلهة فلم تستطع تفريجه فكيف يفرجه ربكم في غداة واحدة‏؟‏ قالوا‏:‏ ربنا على ما يشاء قدير وهذه لا تنفع شيئاً ولا تضر فآمن ودعوا ربهم سبحانه فكشف عز وجل ما به كأن لم يكن به بأس فأقبل على التكسب فإذا أمسى تصدق بنصف كسبه وأنفق النصف الآخر على نفسه وعياله فلما هم قومه بقتل الرسل جاء من أقصى المدينة يسعى، وعلى هذا نحته للأصنام غير مشكل ولا يحتاج إلى ذلك الجواب البعيد، نعم بين هذا وبين خبر سباق الأمم ثلاثة وأنه ممن آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم كما آمن تبع منافاة، وكون إيمانه به عليه الصلاة والسلام إنما كان على يد الرسل وإن كان خلاف الظاهر دافع للمنافاة بينه وبين الأخير فتبقى المنافاة بينه وبين الخبر الأول إلا أن يقال‏:‏ المراد سباق الأمم إلى الإيمان بعد الدعوة ثلاثة لم يكفروا بعدها قط طرفة عين، ومما يدل بظاهره أن الرجل لم يكن قبل مؤمناً ما حكى أن المرسلين اللذين أرسلا أولاً لما قربا إلى المدينة رأياه يرعى غنماً فسألهما فأخبراه فقال‏:‏ أمعكما آية‏؟‏ فقالا‏:‏ نشفي المريض ونبرىء الأكمه والأبرص وكان له ولد مريض فمسحاه فبرىء فآمن، وحمل آمن على أظهر الإيمان خلاف الظاهر، والذي يترجح في نظري أنه كان مؤمناً بالمرسلين قبل مجيئه ونصحه لقومه ولا جزم لي بإيمانه ولا عدمه قبل إرسال الرسل، وظواهر الأخبار في ذلك متعارضة ومع هذا لم يتحقق عندي صحة شيء منها والله أعلم تعالى أعلم بحقيقة الحال‏.‏

وجاء ‏{‏مِنْ أَقْصَى المدينة‏}‏ هنا مقدماً على ‏{‏رَجُلٌ‏}‏ عكس ما جاء في القصص وجعله أبو حيان من التفنن في البلاغة‏.‏

وقال الخفاجي‏:‏ قدم الجار والمجرور على الفاعل الذي حقه التقديم بياناً لفضله إذ هداه الله تعالى مع بعده عنهم وإن بعده لم يمنعه عن ذلك ولذا عبر بالمدينة هنا بعد التعبير بالقرية إشارة إلى السعة وإن الله تعالى يهدي من يشاء سواء قرب أو بعد، وقيل قدم للاهتمام حيث تضمن الإشارة إلى أن إنذارهم قد بلغ أقصى المدينة فيشعر بأنهم أتوا بالبلاغ المبين، وقيل إنه لو أخرتوهم تعلقه بيسعى فلم يفد أنه من أهل المدينة مسكنه في طرفها وهو المقصود، وجملة ‏{‏يسعى‏}‏ صفة ‏{‏رَجُلٌ‏}‏ وجوز كونها حالاً منه من جوز مجىء الحال من النكرة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ استئناف بياني كأنه قيل‏:‏ فماذا قال عند مجيئه‏؟‏ فقيل‏:‏ قال ‏{‏قَالَ ياقوم اتبعوا المرسلين‏}‏ وجوز كونه بياناً للسعي بمعنى قصد وجه الله عز وجل ولا يخفى ما فيه، والتعرض لعنوان رسالتهم لحثهم على اتباعهم كما أن خطابهم بياقوم لتأليف قلوبهم واستمالتها نحو قبول نصيحته، وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏21‏]‏

‏{‏اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ‏(‏21‏)‏‏}‏

‏{‏اتبعوا مَن لاَّ يَسْئَلُكُمْ أَجْراً‏}‏ تكرير للتأكيد وللتوسل به إلى وصفهم بما يتضمن نفي المانع عن اتباعهم بعد الإشارة إلى تحقق المقتضى، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَهُمْ مُّهْتَدُونَ‏}‏ أي ثابتون على الاهتداء بما هم عليه إلى خير الدنيا والآخرة جملة حالية فيها ما يؤكد كونهم لا يسألون الأجر ولا ما يتبعه من طلب جاه وعلو ولذا جعلت إيغالاً حسناً نحو قول الخنساء‏:‏

وإن صخراً لتأتم الهداة به *** كأنه علم في رأسه نار

والظاهر أن الرجل لم يقل ذلك إلا بعد سبق إيمانه، وروي أنه لما بلغته الدعوة جاء يسعى فسمع كلامهم وفهمه ثم قال لهم‏:‏ أتطلبون أجراً على دعوتكم هذه‏؟‏ قالوا‏:‏ لا فدعا عند ذلك قومه إلى اتباعهم والإيمان بهم قائلاً ‏{‏يا قَوْمٌ‏}‏ الخ، وللنحويين في مثل هذا التركيب وجهان؛ أحدهما‏:‏ أن تكون ‏{‏مِنْ‏}‏ بدلاً من ‏{‏المرسلين‏}‏ بإعادة العامل كما أعيد إذا كان حرف جر نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 33‏]‏ وإليه ذهب بعضهم وثانيهما‏:‏ وإليه ذهب الجمهور أنه ليس ببدل فإنه مخصوص بما إذا كان العامل المعاد حرف جر أما إذا كان رافعاً أو ناصباً فيسمون ذلك بالتتبيع لا بالبدل، واستدل بالآية على نقص من يأخذ أجرة على شيء من أفعال الشرع والبحث مستوفى في الفروع‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏22‏]‏

‏{‏وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏لِىَ لاَ أَعْبُدُ الذى فَطَرَنِى‏}‏ تلطف في إرشاد قومه بإيراده في معرض المناصحة لنفسه وإمحاض النصح حيث أراهم أنه اختار لهم ما يختار لنفسه والمراد تقريعهم على ترك عبادة خالقهم إلى عبادة غيره كما ينبىء عنه قوله‏:‏ ‏{‏وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏ مبالغة في تهديدهم بتخويفهم بالرجوع إلى شديد العقاب مواجهة وصريحاً ولو قال‏:‏ وإليه أرجع كان فيه تهديد بطريق التعريض، وعد التعبير بإليه ترجعون بعد التعبير بما لي لا أعبد من باب الالتفات لمكان التعريض بالمخاطبين في ‏{‏مَالِيَ لاَ أَعْبُدُ‏}‏ الخ فيكون المعبر عنه في الأسلوبين واحداً بناءً على ما ذهب إليه الخطب‏.‏ والسعد التفتازاني من أن التعريض إما مجاز أو كناية وهو ههنا مجاز لامتناع إرادة الموضوع له فيكون اللفظ مستعملاً في غير ما وضع له فيتحد المعبر عنه، وحقق السيد السند أن المعنى التعريضي من مستتبعات الترتيب واللفظ ليس بمستعمل فيه بل هو بالنسبة إلى المستعمل فيه إما حقيقة أو مجاز أو كناية وعليه فمضير المتكلم في ‏{‏مَالِيَ‏}‏ الخ ليس مستعملاً في المخاطبين فلا يكون المعبر عنه في الأسلوبين واحداً فلا التفات، وجوز بعضهم كون الآية من الاحتباك والأصل ‏{‏لِىَ لاَ أَعْبُدُ الذى فَطَرَنِى‏}‏ وإليه أرجع وما لكم لا تعبدون الذي فطركم وإليه ترجعون فحذف من الأول نظير ما ذكر في الثاني وبالعكس وهو مفوت لما سمعت، وظاهر كلام الواحدي أنه لا تعريض في الآية حيث قال‏:‏ لما قال الرجل ‏{‏ياقوم اتبعوا المرسلين‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 20‏]‏ الخ رفعوه إلى الملك فقال له الملك‏:‏ أفأنت تتبعهم‏؟‏ فقال‏:‏ ‏{‏مَالِيَ لاَ أَعْبُدُ الذى فَطَرَنِى‏}‏ أي أي شيء لي إذا لم أعبد خالقي ‏{‏وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏ تردون عند البعث فيجزيكم بكفركم، ورد عليه بأنه إذا رجع الإنكار إليه دون القوم لم يكن لخطابهم بترجعون معنى وكان الظاهر أرجع‏.‏ وأجيب بأنه يمكن أن يقال‏:‏ إن الرجل كان في غيظ شديد من تكذيبهم الرسل وتوعدهم إياهم فانتهز الفرصة للانتقام فلما تمكن من تهديدهم أوقع قوله‏:‏ ‏{‏وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏ في البين أي مالي لا أعبد الذي من على بنعمة الإيجاد ونعمة الانتقام منكم والتشفي من غيظكم إذ ترجعون إليه فيجزيكم بكفركم وتكذيبكم الرسل وعنادكم، وأنت تعلم أن النظم الجليل لا يساعد على هذا وهو ظاهر فيما تقدم، وقد عاد إلى المساق الأول من التلطف بالإرشاد فقال‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏23‏]‏

‏{‏أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ ‏(‏23‏)‏‏}‏

‏{‏أَءتَّخِذُ مِن دُونِهِ ءالِهَةً‏}‏ إنكار ونفي لاتخاذ جنس الآلهة على الإطلاق وفيه من تحميق من يعبد الأصنام ما فيه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن يُرِدْنِ الرحمن بِضُرّ لاَّ تُغْنِ عَنّى شفاعتهم شَيْئاً‏}‏ استئناف سيق لتعليل النفي المذكور، وجعله صفة لآلهة كما ذهب إليه البعض ربما يوهم أن هناك آلهة ليست كذلك، ومعنى ‏{‏لاَ تُغْنِى‏}‏ الخ لا تنفعني شيئاً من النفع، وهو إما على حد‏.‏

لا ترى الضب بها ينجحر *** أي لا شفاعة لهم حتى تنفعني، وإما على فرض وقوع الشفاعة أي لا تغني عن شفاعتهم لو وقعت شيئاً وَلاَ يُنْقذُون يخلصون من ذلك الضر بالنصر والمظاهرة، وهو ترق من الأدنى إلى الأعلى بدأ أولاً بنفي الجاه وذكر ثانياً انتفاء القدرة وعبر عنه بانتفاء الإنقاذ لأنه نتيجته، وفتح ياء المتكلم في ‏{‏يردني‏}‏ طلحة السمان على ما قال ابن عطية، وقال ابن خالويه‏:‏ طلحة بن مصرف‏.‏ وعيسى الهمداني‏.‏ وأبو جعفر، ورويت عن نافع‏.‏ وعاصم‏.‏ وأبي عمرو؛ وقال الزمخشري‏:‏ وقرىء ‏{‏ءانٍ يُرِدْنِ الرحمن بِضُرّ‏}‏ بمعنى إن يوردني ضراً أي يجعلني مورداً للضر اه، قال أبو حيان‏:‏ كأنه والله تعالى أعلم رأي في كتب القراءات ‏{‏يردني‏}‏ بفتح الياء فتوهم أنها ياء المضارعة فجعل الفعل متعدياً بالياء المعدية كالهمزة فلذلك أدخل عليه همزة التعدية ونصب به اثنين، والذي في كتب الشواذ أنها ياء الإضافة المحذوفة خطأ ونطقاً لالتقاء الساكنين، قال في كتابه ابن خالويه‏:‏ بفتح الياء ياء الإضافة، وقال في «اللوامح»‏:‏ ‏{‏ءانٍ مُّقْتَدِرِ الرحمن‏}‏ بالفتح وهو أصل الياء البصرية أي المثبتة بالخط الذي يرى بالبصر لكن هذه محذوفة اه كلامه، وحسن الظن بالزمخشري يقتضي خلاف ما ذكره‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏24‏]‏

‏{‏إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏24‏)‏‏}‏

‏{‏إِنّى إِذاً‏}‏ أي إذا اتخذت من دونه آلهة ‏{‏لَفِى ضلال مُّبِينٍ‏}‏ فإن إشراك ما يصنع وليس من شأنه النفع ولا دفع الضر بالخالق المقتدر الذي لا قادر غيره ولا خير إلا خيره ضلال وخطأ بين لا يخفى على من له أدنى تمييز‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏25‏]‏

‏{‏إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ‏(‏25‏)‏‏}‏

‏{‏إِنّى ءامَنتُ بِرَبّكُمْ‏}‏ الظاهر أن الخطاب لقومه شافههم بذلك وصدع بالحق إظهاراً للتصلب في الدين وعدم المبالاة بما يصدر منهم، والجملة خبرية لفظاً ومعنى، والتأكيد قيل إنهم لم يعلموا من كلامه أنه آمن بل ترددوا في ذلك لما سمعوا منه ما سمعوا‏.‏

وإضافة الرب إلى ضميرهم لتحقيق الحق والتنبيه على بطلان ما هم عليه من اتخاذ الأصنام أرباباً أي إني آمنت بربكم الذي خلقكم ‏{‏فاسمعون‏}‏ أي فاسمعوا قولي فإني لا أبالي بما يكون منكم على ذلك، وقيل‏:‏ مراده دعوتهم إلى الخير الذي اختاره لنفسه، وقيل لم يرد بهذا الكلام إلا أن يغضبهم ويشغلهم عن الرسل بنفسه لما رآهم لا ينجع فيهم الوعظ وقد عزموا على الإيقاع بهم وليس بشيء، وقدر بعضهم المضاف المحذوف عاماً وفسر السماع بالقبول كما في سمع الله تعالى لمن حمده أي فاسمعوا جميع ما قلته واقبلوه وهو مما يسمع‏.‏

وجعل الخطاب للقوم في الجملتين هو المروى عن ابن عباس‏.‏ وكعب‏.‏ ووهب‏.‏ وأخرج الحاكم عن ابن مسعود أنه قال‏:‏ لما قال صاحب يس ‏{‏قَالَ ياقوم اتبعوا المرسلين‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 20‏]‏ خنقوه ليموت فالتفت إلى الأنبياء فقال‏:‏ ‏{‏إِنّى ءامَنتُ بِرَبّكُمْ فاسمعون‏}‏ أي فاشهدوا فالخطاب فيهما للرسل بطريق التلوين، وأكد الخبر إظهاراً لصدوره عنه بكمال الرغبة والنشاط، وأضاف الرب إلى ضميرهم روما لزيادة التقرير وإظهاراً للاختصاص والاقتداء بهم كأنه قال‏:‏ بربكم الذي أرسلكم أو الذي تدعوننا إلى الإيمان به، وطلب السماع منهم ليشهدوا له بالإيمان عند الله عز وجل كما يشير إليه كلام ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وقيل الخطاب الأول لقومه والثاني للرسل خاطبهم على جهة الاستشهاد بهم والاستحفاظ للأمر عندهم، وقيل الخطابان للناس جميعاً، وروي عن عاصم أنه قرأ ‏{‏فاسمعون‏}‏ بفتح النون، قال أبو حاتم‏:‏ هذا خطأ لا يجوز لأنه أمر فإما أن تحذف كما حذفت نون الإعراب ويقال فاسمعوا وإما أن تبقى وتكسر؛ ومن الناس من وجهه بأن الأصل فاسمعونا أي فاسمعوا كلامنا أي كلامي وكلامهم لتشهدوا بما كان مني ومنهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏26‏]‏

‏{‏قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ‏(‏26‏)‏‏}‏

‏{‏قِيلَ ادخل الجنة‏}‏ استئناف لبيان ما وقع له بعد قوله ذلك، والظاهر أن الأمر إذن له بدخول الجنة حقيقة وفي ذلك إشارة إلى أن الرجل قد فارق الدنيا فعن ابن مسعود أنه بعد أن قال ما قال قتلوه بوطء الأرجل حتى خرج قصبه من دبره وألقى في بئر وهي الرس، وقال السدي‏:‏ رموه بالحجارة وهو يقول‏:‏ اللهم اهد قومي حتى مات، وقال الكلبي‏:‏ رموه في حفرة وردوا التراب عليه فمات، وعن الحسن حرقوه حتى مات وعلقوه في بر المدينة وقبره في سور أنطاكية، وقيل‏:‏ نشروه بالمنشار حتى خرج من بين رجليه‏.‏

ودخوله الجنة بعد الموت دخول روحه وطوافها فيها كدخول سائر الشهداء، وقيل الأمر للتبشير لا للإذن بالدخول حقيقة قالت له ملائكة الموت ذلك بشارة له بأنه من أهل الجنة يدخلها إذا دخلها المؤمنون بعد البعث، وحكى نحو ذلك عن مجاهد‏.‏

أخرج عبد بن حميد‏.‏ وابن جرير‏.‏ وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أنه قال في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قِيلَ ادخل الجنة‏}‏ وجبت له الجنة، وجاء في رواية عن الحسن أنه قال‏:‏ لما أراد قومه قتله رفعه الله تعالى إلى السماء حياً كما رفع عيسى عليه السلام إلى السماء فهو في الجنة لا يموت إلا بفناء السماء وهلاك الجنة فإذا أعاد الله تعالى الجنة أعيد له دخولها فالأمر كما في الأول، والجمهور على أنه قتل، وادعى ابن عطية أنه تواترت الأخبار والروايات بذلك، وقول قتادة أدخله الله تعالى الجنة وهو فيها حي يرزق ليس نصاً في نفي القتل‏.‏ وفي «البحر» أنه أراد بقوله وهو فيها حي يرزق قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 169‏]‏ وقال بعضهم‏:‏ الجملة جواب سؤال مقدر كأنه قيل‏:‏ ما حاله عند لقاء ربه عز وجل بعد ذلك التصلب في دينه‏.‏ فقيل‏:‏ قيل ادخل الجنة، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع، ولعل الأولى ما أشرنا إليه أولاً، وإنما لم يقل قيل له لأن الغرض المهم بيان المقول لا القائل والمقول له؛ وقوله تعالى‏:‏

‏{‏قَالَ يَاءادَمُ ياليت قَوْمِى يَعْلَمُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏27‏]‏

‏{‏بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ‏(‏27‏)‏‏}‏

‏{‏بِمَا غَفَرَ لِى رَبّى وَجَعَلَنِى مِنَ المكرمين‏}‏ استئناف بياني أيضاً كأنه قيل بعد أن أخبر عنه بما أخبر‏:‏ فماذا قال عند نيله تلك الكرامة السنية‏؟‏ فقيل‏:‏ قال الخ، وإنما تمنى علم قومه بحاله ليحملهم ذلك على اكتساب مثله بالتوبة عن الكفر والدخول في الإيمان والطاعة جرياً على سنن الأولياء في كظم الغيظ والترحم على الأعداء، وفي الحديث نصح قومه حياً وميتاً‏.‏

وقيل‏:‏ يجوز أن يكون تمنيه ذلك ليعلموا أنهم كانوا على خطأ عظيم في أمره وأنه كان على صواب ونصيحة وشفقة وأن عداوتهم لم تكسبه إلا فوزاً ولم تعقبه إلا سعادة لأن في ذلك زيادة غبطة له وتضاعف لذة وسرور، والوجه الأول أولى، والظاهر أن ما مصدرية، ويجوز أن تكون موصولة والعائد مقدر أي يا ليت قومي يعلمون بالذي غفر لي به أي بسببه ربي أو بالذي غفره أي بالغفران الذي غفره لي ربي، والمراد تعظيم مغفرته تعالى له فتؤول إلى المصدرية، وقال الزمخشري‏:‏ أي بالذي غفره لي ربي من الذنوب‏.‏ وتعقب بأنه ليس بجيد إذ يؤول إلى تمني علمهم بذنوبه المغفورة ولا يحسن ذلك، وكذا عطف ‏{‏وَجَعَلَنِى مِنَ المكرمين‏}‏ عليه لا ينتظم، وما قيل من أن الغرض منه الإعلام بعظم مغفرة الله تعالى ووفور كرمه وسعة رحمته فلا يبعد حينئذٍ إرادة معنى الاطلاع عليها لذلك بل هو أوقع في النفس من ذكر المغفرة مجردة عن ذكر المغفور لاحتمال حقارته تكلف‏.‏ وأجاز الفراء أن تكون استفهامية والجار صلة ‏{‏غَفَرَ‏}‏ أي بأي شيء غفر لي ربي يريد به المهاجرة عن دينهم والمصابرة على أذيتهم حتى قتل‏.‏ وتعقبه الكسائي بأنه لو صح ذلك لقيل بم بغير ألف فإن اللغة الفصيحة حذفها إذا جرت ما الاستفهامية بحرف جر نحو عم يتساءلون، وقوله‏:‏

علام أقول الرمح أثقل عاتقي *** إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت

فرقا بينها وبين الموصولة، وإثباتها نادر؛ وقيل مختص بالضرورة نحو قوله‏:‏

على ما قام يشتمني لئيم *** كخنزير تمرغ في رماد

وقوله‏:‏

إنا قتلنا بقتلانا سراتكم *** أهل اللواء ففيما يكثر القتل

وقراءة عكرمة‏.‏ وعيسى ‏{‏عَمَّا يَتَسَاءلُونَ‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 1‏]‏ وقرأ ‏{‏مِنَ المكرمين‏}‏ مشدد الراء مفتوحها مفتوح الكاف‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏28‏]‏

‏{‏وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ ‏(‏28‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَا أَنزَلْنَا على قَوْمِهِ‏}‏ أي قوم الرجل الذي قيل له ‏{‏ادخل الجنة‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 26‏]‏ ‏{‏مِن بَعْدِهِ‏}‏ أي من بعد قتله، وقيل‏:‏ من بعد رفعه إلى السماء حيا ‏{‏مِن جُندٍ‏}‏ أي جندا فمن مزيدة لتؤكيد النفي، وقيل‏:‏ يجوز أن تكون للتبعيض وهو خلاف الظاهر، والجند العسكر لما فيه من الغلظة كأنه من الجند أي الأرض الغليظة التي فيها حجارة، والظاهر أن المراد بهذا الجند جند الملائكة أي ما أنزلنا لاهلاكهم ملائكة ‏{‏مّنَ السماء وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ‏}‏ وما صح في حكمتنا أن ننزل الجند لاهلاكهم لما أنا قدرنا لكل شيء سبباً حيث أهلكنا بعض من أهلكنا من الأمم بالحاصب وبعضهم بالصيحة وبعضهم بالخسف وبعضهم بالاغراق وجعلنا إنزال الجند من خصائصك في الانتصار لك من قومك وكفينا أمر هؤلاء بصيحة ملك صاح بهم فهلكوا كما قال سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏29‏]‏

‏{‏إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

‏{‏إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحدة فَإِذَا هُمْ خامدون‏}‏ وفي ذلك استحقار لهم ولا هلاكهم وإيماء إلى تفخيم شأن النبي صلى الله عليه وسلم، وفسر أبو حيان الجند بما يعم الملائكة فقال‏:‏ كالحجارة والريح وغير ذللك والمتبادر ما تقدم، وقيل‏:‏ الجند ملائكة الوحي الذين ينزلون على الأنبياء عليهم السلام أي قطعنا عنهم الرسالة حين فعلوا ما فعلوا ولم نعبأ بهم وأهلكناهم، وعن الحسن ومجاهد قالا قطع الله تعالى عنهم الرسالة حين قتلوا رسله، وهذا التفسبر بعيد جداً، وقتل الرسل الثلاثة محكى في البحر بقيل وهو ظاهر هذا المروى لكن المعروف أنهم لم يقتلوا وإنما قتل حبيب فقط، وذهبت فرقة إلى أن ما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 28‏]‏ موصولة معطوفة على ‏{‏جُندٌ‏}‏ والمراد ما أنزلنا على قومه من بعده جنداً من السماء وما أنزلنا الذي كنا منزليه على الذين من قبلهم من حجارة وريح وغير ذلك‏.‏

وتعقبه أبو حيان بأنه يلزم عليه زيادة ‏{‏مِنْ‏}‏ في المعرفة، ومن هنا قيل الأولى جعلها نكرة موصوفة، وأجيب بأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، ولا يخفى أن هذا لا يدفع بعده، ومن أبعد ما يكون قول أبي البقاء‏:‏ يجوز أن تكون ما زائدة أي وقد كنا منزلين على غيرهم جنداً من السماء بل هو ليس بشيء، وإن نافية وكان ناقصة واسمها مضمر و‏{‏صَيْحَةٍ‏}‏ خبرها أي ما كانت هي أي الأخذة أو العقوبة إلا صيحة واحدة، روى أن الله تعالى بعث عليهم جبريل عليه السلام حتى أخذ بعضادتي باب المدينة فصاح بهم صيحة واحدة فماتوا جميعاً، وإذا فجائية وفيها إشارة إلى سرعة هلاكهم بحيث كان مع الصيحة، وقد شبهوا بالنار على سبيل الاستعارة المكنية والخمود تخييل، وفي ذلك رمز إلى أن الحي كشعلة النار والميت كالرماد كما قال لبيد‏:‏ وما المرء إلا كالشهاب وضوئه *** يحور رمادا بعد إذ هو ساطع

ويجوز أن تكون الاستعارة تصريحية تبعية في الخمود بمعنى البرودة والسكون لأن الروح لفزعها عند الصيحة تندفع إلى الباطن دفعة واحدة ثم تنحصر فتنطفىء الحرارة الغريزية لانحصارها، ولعل في العدول عن هامدون إلى ‏{‏خامدون‏}‏ رمزاً خفياً إلى البعث بعد الموت، والظاهر أنه لم يؤمن منهم سوى حبيب وانهم هلكوا عن آخرهم، وفي بعض الآثار أنه إمن الملك وأمن قوم من حواشيه ومن لم يؤمن هلك بالصيحة، وهذا بعيد فإنه كان الظاهر أن يظاهر أولئك المؤمنون الرسل كما فعل حبيب ولكان لهم في القرآن الجليل ذكر ما بوجه من الوجوه اللهم إلا أن يقال‏:‏ إنهم آمنوا خفية وكان لهم ما يعذرون به عن المظاهرة، ومع هذا لا يخلو بعد عن بعد، وقرأ أبو جعفر‏.‏

وشيبة‏.‏ ومعاذ بن الحرق القارىء ‏{‏صَيْحَةٍ‏}‏ بالرفع على أن كان تامة أي ما حدثت ووقعت إلا صيحة وينبغي أن لا تلحق الفعل تاء التأنيث في مثل هذا التركيب فلا يقال ما قامت إلا هند بل ما قام إلا هند لأن الكلام على معنى ما قام أحد إلا هند والفاعل فيه مذكر، ولم يجوز كثير من النحويين ألا لحاق إلا في الشعر كقول ذي الرمة‏:‏

طوى التحز والإجراز ما في غروضها *** وما بقيت ألا الضلوع الجراشع

وقول الآخر‏:‏ ما برئت من ريبة وذم *** في حربنا إلا بنات العم

ومن هنا أنكر الكثير كما قال أبو حاتم هذه القراءة، ومنهم من أجاز ذلك في الكلام على قلة كما في قراءة الحسن‏.‏ ومالك بن دينار‏.‏ وأبي رجاء‏.‏ والجحدري‏.‏ وقتادة‏.‏ وأبي حيوة‏.‏ وابن أبي عبلة‏.‏ وأبي بحرية ‏{‏لاَّ ترى إِلاَّ مساكنهم‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 25‏]‏ بالتاء الفوقية، ووجهه مراعاة الفاعل المذكور، وكأني بك تميل إلى هذا القول، وقرأ ابن مسعود ‏{‏إِلا‏}‏ من زقي الطائر يزقو ويزقي زقا وزقاء إذا صاح، ومنه المثل أثقل من الزواقي وهي الديكة لأنهم كانوا يسمرون إلى أن تزقوا فإذا صاحت تفرقوا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏30‏]‏

‏{‏يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏30‏)‏‏}‏

‏{‏خامدون ياحسرة عَلَى العباد‏}‏ الحسرة على ما قال الراغب الغم على ما فات والندم عليه كأن المتحسر انحسر عنه قواه من فرط ذلك أو ادركه إعياء عن تدارك ما فرط منه، وفي البحر هي أن يركب الإنسان من شدة الندم ما لا نهاية بعده حتى يبقى حسيراً، والظاهر أن ‏{‏يا‏}‏ للنداء و‏{‏عَلَيْهِمْ حَسْرَةً‏}‏ هو المنادي ونداؤها مجاز بتنزيلها منزلة العقلاء كأنه قيل‏:‏ يا حسرة احضري فهذا الحال من الأحوال التي من حقها أن تحضري فيها وهي ما دل عليها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا تَأْتِيهِم مّنْ رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ‏}‏ والمراد بالعباد مكذبو الرسل ويدخل فيهم المهلكون المتقدمون دخولاً أولياً، وقيل‏:‏ هم المراد وليس بذاك وبالحسرة المناداة حسرتهم والمستهزؤون بالناصحين المخلصين المنوط بنصحهم خير الدارين أحقاء بأن يتحسروا على أنفسهم حيث فوتوا عليها السعادة الأبدية وعوضوها العذاب المقيم، ويؤيد هذا قراءة ابن عباس‏.‏ وأبي‏.‏ وعلي بن الحسين‏.‏ والضحاك‏.‏ ومجاهد‏.‏ والحسن ‏{‏حَكَمَ بَيْنَ العباد‏}‏ بالإضافة، وكون المراد حسرة غيرهم عليهم والإضافة لأدنى ملابسة خلاف الظاهر؛ وأخرج ابن جرير‏.‏ وغيره عن قتادة أنه قال في بعض القرآن ‏{‏حسابهم وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِمْ‏}‏ الخ‏.‏

وجوز أن تكون حسرة الملائكة عليهم السلام والمؤمنين من الثقلين، وعن الضحاك تخصيصها بحسرة الملائكة عليهم السلام وزعم أن المراد بالعباد الرسل الثلاثة وأبو العالية فسر ‏{‏العباد‏}‏ بهذا أيضاً لكنه حمل الحسرة على حسرة الكفار المهلكين قال‏:‏ تحسروا حين رأوا عذاب الله تعالى وتلهفوا على ما فاتهم، وقيل‏:‏ المراد بالعباد المهلكون والتحسر الرجل الذي جاء من اقصى المدينة تحسر لما وثب القوم لقتله، وقيل‏:‏ المراد بالعباد أولئك والمتحسر الرسل حين قتلوا ذلك الرجل وحل بهم العذاب ولم يؤمنوا، ولا يخفى حال هذه الأقوال وكان مراد من قال‏:‏ المتحسر الرجل ومن قال المتحسر الرسل عني أن القول المذكور قول الرجل أو قول الرسل، في كلام أبي حيان ما هو ظاهر في ذلك، ومع هذا لا ينبغي أن يعول على شيء مما ذكر، وجوز أن يكون التحسر منه سبحانه وتعالى مجازاً عن استعظام ما جنوه على أنفسهم، وأيد بأنه قرىء ‏{‏خامدون ياحسرة عَلَى العباد‏}‏ فإن الأصل عليها يا حسرتي فقلبت الياء ألقاً، ونحوها قراءة ابن عباس كما قال ابن خالويه ‏{‏خامدون ياحسرة عَلَى العباد‏}‏ بغير تنوين فإن الأصل أيضاً يا حسرتي فقلبت الياء ألفاً ثم حذفت الألف واكتفى عنها بالفتحة، وقرأ أبو الزناد‏.‏ وابن هرمز‏.‏ وابن جندب ‏{‏خامدون ياحسرة عَلَى العباد‏}‏ بالهاء الساكنة، قال في المنتقى‏:‏ وقف ‏{‏على‏}‏ وقفاً طويلاً تعظيماً للأمر ثم قيل ‏{‏ياحسرة عَلَى العباد‏}‏‏.‏

وفي اللوامح وقفوا على الهاء مبالغة في التحسر لما في الهاء من التأهه كالتأوه، ثم وصلوه على تلك الحال‏.‏

وقال الطيبي‏:‏ إن العرب إذا أخبرت عن الشيء غير معتد به أسرعت فيه ولم تأت على اللفظ المعبر عنه نحو قلت لها قفي قالت لنا قاف أي وقفت فانتصرت من جملة الكلمة على حرف منها تهاوناً بالحال وتثاقلاً عن الإجابة، ولا يخفى أن هذا لا يناسب المقام، وينبغي على هذه القراءة أن لا يكون ‏{‏عَلَى العباد‏}‏ متعلقاً بحسرة أو صفة له إذ لا يحسن الوقف حينئذ بل يجعل متعلقاً بمضمر يدل عليه ‏{‏حَسْرَةً‏}‏ نحو يتحسر أو أتحسر على العباد، وتقدير انظروا ليس بذاك أو خبر مبتدأ محذوف لبيان المتحسر عليه أي الحسرة على العباد وتخريج قراءة ‏{‏يا حسرتا‏}‏ بالألف على هذا الطرز بأن يقال‏:‏ قدر الوقف على المنصوب المنون فإنه يوقف عليه بالألف ‏{‏كان الله على كل شيء قديرا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 27‏]‏ وضرب زيد عمراً ليس بشيء ولو سلم أنه شيء لا ينافي التأييد، وقيل ‏{‏يا‏}‏ للنداء والمنادي محذوف و‏{‏عَلَيْهِمْ حَسْرَةً‏}‏ مفعول مطلق لفعل مضمر و‏{‏عَلَى العباد‏}‏ متعلق بذلك الفعل أي يا هؤلاء تحسروا حسرة على العباد‏.‏

ولعل الأوفق للمقام المتبادر إلى الأفهام أن المراد نداء حسرة كل من يتأتى منه التحسر ففيه من المبالغة ما فيه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا يَأْتِيهِمْ‏}‏ الخ استئناف لبيان ما يتحسر منه، و‏{‏بِهِ‏}‏ متعلق بيستهزؤون‏.‏ وقدم عليه للحصر الادعائي وجوز أن يكون لمراعاة الفواصل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏31‏]‏

‏{‏أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ ‏(‏31‏)‏‏}‏

‏{‏أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ القرون‏}‏ الضمير لأهل مكة والاستفهام للتقرير وكم خبرية في موضع نصب بأهلكنا و‏{‏مّنَ القرون‏}‏ بيان لكم، وجوز بعض المتأخرين كون ‏{‏كَمْ‏}‏ مبتدأ والجملة بعده خبره وهو كلام من لا خبر عنده والجملة معمولة ليروا نافذ معناها فيها و‏{‏كَمْ‏}‏ معلقة لها عن العمل في اللفظ لأنها وإن كانت خبرية لها صدر الكلام كالاستفهامية فلا يعمل فيها عامل متقدم على اللغة الفصيحة إلا إذا كان حرف جر أو اسماً مضافاً نحو على كم فقير تصدقت أرجو الثواب وابن كم رئيس صحبته‏.‏

وحكى الأخفش على ما في الحبر جواز تقدم عامل عليها غير ذلك عن بعضهم نحو ملكت كم غلام أي ملكت كثيراً من الغلمان عاملوها معاملة كثير؛ والرؤية علمية لا بصرية خلافاً لابن عطية لأنها لا تعلق على المشهور ولأن أهل مكة لم يحضروا إهلاك من قبلهم حتى يروه بل علموه بالأخبار ومشاهدة الآثار، والقرون جمع قرن وهم القوم المقترنون في زمن واحد كعاد وثمود وغيرهم ‏{‏أَنَّهُمْ‏}‏ الضمير عائد على معنى ‏{‏كَمْ‏}‏ وهي القرون أي إن القرون المهلكين ‏{‏إِلَيْهِمُ‏}‏ أي إلى أهل مكة ‏{‏لاَ يَرْجِعُونَ‏}‏ وأن وما بعدها في تأويل المفرد بدل من جلمة ‏{‏كَمْ أَهْلَكْنَا‏}‏ على المعنى كما نقل عن سيبويه وتبعه الزجاج أي ألم يروا كثرة اهلاكنا من قبلهم وكونهم غير راجعين إليهم‏.‏

وقيل على المعنى لأن الكثرة المذكورة وعدم الرجوع ليس بينهما اتحاد بجزئية ولا كلية ولا ملابسة كما هو مقتضى البدلية لكن لما كان ذلك في معنى الذين أهلكناهم وأنهم لا يرجعون بمعنى غير راجعين اتضح فيه البدلية على أنه بدل اشتمال أو بدل كل من كل قاله الخفاجي‏:‏ وأفاد صاحب الكشف على أنه من بدل الكل بجعل كونهم غير راجعين كثرة اهلاك تجوزا، وعندي أن هذا الوجه وإن لم يكن فيه إبدال مغرد من جملة وتحقق فيه مصحح البدلية على ما مسعت ولا يخلو عن تكلف، وسيبويه ليس بنبي النحو ليجب اتباعه‏.‏

وقال السيرافي‏:‏ يجوز أن يجعل ‏{‏أَنَّهُمْ‏}‏ الخ صلة أهلكناهم أي أهلكناهم بأنهم لا يرجعون أي بهذا الضرب من الهلاك، وجوز ابن هشام في المغنى أن يكون أن وصلتها معمول ‏{‏يَرَوْاْ‏}‏ وجملة ‏{‏كَمْ أَهْلَكْنَا‏}‏ معترضة بينهما وأن يكون معلقاً عن ‏{‏كَمْ أَهْلَكْنَا‏}‏ وأنهم إليهم لا يرجعون مفعولاً لأجله، قال الشمني‏:‏ ليروا والمعنى أنهم علموا لأجل أنهم لا يرجعون اهلاكهم‏.‏ ورد بأنه لا فائدة يعتد بها فيما ذكر من المعنى‏.‏ وتعقبه الخفاجي بقوله‏:‏ لا يخفى أن ما ذكر وارد على البدلية أيضاً، والظاهر أن المقصود من ذكره إما التهكم بهم وتحميقهم وإما إفادة ما يفيد تقديم ‏{‏إِلَيْهِمُ‏}‏ من الحصر أي أنهم لا يرجعون إليهم بل إلينا فيكون ما بعده مؤكداً له اه وهو كما ترى، وقال الجلبي‏:‏ لعل الحق أن يجعل أول الضميرين لمعنى ‏{‏كَمْ‏}‏ وثانيهما للرسل وان وصلتها مفعولاً لأجله لأهلكناهم، والمعنى أهلكناهم لاستمرارهم على عدم الرجوع عن عقائدهم الفاسدة إلى الرسل وما دعوهم إليه فاختيار ‏{‏لاَ يَرْجِعُونَ‏}‏ على لم يرجعوا للدلالة على استمرار النفي مع مراعاة الفاصلة انتهى‏.‏